لحمايتها من الزحف الصناعي ... هل تصبح رأس البر منطقة إدارة بيئية ؟! رأى عالم البيئة د/ محمد القصاص

جريدة : الأهرام
خالد مبارك
     التاريخ 2 / 3 / 2008

الصراع المحتدم حاليا حول جزيرة رأس البر يحتاج ألي قرار حاسم تعضده الآراء العلمية المتخصصة ، التى تؤكد أو تنفى خطورة المشروعات الصناعية والأنشطة الملوثة المزمع إنشاؤها على تلك الجزيرة ، ففى الوقت الذى بدأت فيه معدات الحفر عملها تمهيداُ لإقامة مصنع للبتروكيماويات عليها، ارتفعت أصوات علماء وخبراء البيئة بجامعة دمياط كحذرة من خطورة ذلك على البيئة ومؤكدة أن الجزيرة تحتضن تنوعا ايكولوجيا متميزا يؤهلها لكى تعلن كمحمية طبيعية ، ومن هنا كانت مبادرتهم بإعداد ملف شامل عنها تم من خلاله توضيح المزايا وعناصر التنوع النباتي والحيواني التى تزخر بها ، وهو الملف الذى تم أعداده بناء على رغبة المهندس ماجد جورج وزير الدولة لشئون البيئة، وجاء فى خطاب سكرتير عام محافظ دمياط للدكتورة مواهب أبو العزم الرئيس التنفيدى لجهاز شئون البيئة ما يؤيد هذه الرغبة من جانب محافظة دمياط، ومؤكدة ثراها بالنباتات والحيوانات والتراكيب الجيولوجية، كذلك يحذر نفس الخطاب من خطورة أى أعمال أو أنشطة مقترحة من شأنها إتلاف أو تدهور البيئة الطبيعية مطالبة بدعم تطويرها كمنطقة للسياحة البيئية والدولية.
وعن تفاصيل الملف الذى تم أعداده يقول الدكتور محمد رمزي عميد كلية دمياط الملف محدد بتوضيح الخواص البيئية والبيولوجية للمنطقة ، وهى خواص متميزة جدا وتؤهل المنطقة لأن تكون محمية طبيعية ، والأنشطة الصناعية بانبعاثاتها الملوثة حتما سيكون لها تأثير سلبى ومباشر على الحياة البيئية فيها ، كذلك تشكل خطورة على حياة الإنسان وجميع الأحياء التى تعيش عليها ، والدراسات التى تمت دقيقة واستغرقت عاما ونصف عام وعن رؤيته للمنطقة يقول الدكتور محمود سالم رئيس قسم علوم البيئة بعلوم دمياط المنطقة تعد الامتداد الطبيعى لمنطقة مصيف رأس البر الذى يعد المتنفس الوحيد للمدينة ويقصده الآلاف من جميع محافظات مصر وفى العقود الماضية حصلت إحدى شركات الاستثمار على حق انتفاع من إحدى الوزارات المعنية بغرض بناء مساكن وقرى سياحية كامتداد لمدينة رأس البر السكنية ، وتم بالفعل إنشاء مطحن ومصنع لتعئبة الزيوت النباتية ، ثم ظهرت بعد ذلك شركة البتروكيماويات لإقامة مصنع وعلى الجانب الآخر مقترح ببناء مصنع سماد ولا أحد يدرى ما يحمله المستقبل من مقترحات ببناء مصانع أخرى ، وغير معروف ما إذا كانت هناك تراخيص أو موافقات ببناء تلك المصانع ، كذلك ما إذا كانت هناك دراسات لتقييم الأثر البيئى لهذه المصانع والأنشطة الأخرى أم لا ، علما بأن المصنعين يقعان فى اتجاه تحمل معه الرياح الغازات والملوثات منهما فى اتجاه مديني دمياط القديمة ، الآمر الذى يمثل تهديدا لصحة سكانها ، وعن أهم ما تحضنه المنطقة من عناصر بيئية تؤهلها لكى تصبح محمية طبيعية يقول الدكتور جمال عبد الرحيم – أستاذ فسيكولوجيا النبات بعلوم دمياط- المنطقة المقترحة تعرف بمثلث رأس البر وهى تمتد لمسافة من 4 الى 5 كيلو مترات من ميناء دمياط الى مدينة رأس البر، وتمتاز من الناحية الجغرافية بأنها ملتقى نهر النيل بالبحر المتوسط وهى تزخر بأكثر من 100 نوع نباتى بعضها لا يوجد فى أى منطقة أخرى بمصر وتنفرد منطقة السليمانية بوجود إحدى سلالات النخيل النادرة والذى يشكل غطاء خضريا رائعا يلعب دورا مهما فى حفظ التوزان البيولوجي، كذلك توجد بها نباتات وأعشاب طبية متميزة ومن أهم النباتات الزقيم والطرفة واللوتس والرطريط والفلفل العريض الذى تستخلص منه المستكه، كما يوجد بها تنوع حيوانى رائع أبرزه السلاحف البحرية والبرية والثعالب والبرمائيات والزواحف ، كما تبرز أهميتها كواحدة من محطات الطيور المهاجرة من أوربا الى أفريقيا ، وأى خلل فى التوازن البيئى فى المنطقة سيؤدى الى خلل فى التنوع البيولوجي للطيور المهاجرة فى العالم كله وعن وجهة نظره فى الوضع الأمثل لحماية المنطقة يقول عالم البيئة الدكتور محمد عبد الفتاح القصاص : تطور الفكر فى مفهوم  الحماية فإعلان المنطقة كمحمية طبيعية يعنى عدم الاقتراب منها أما الصون فيعنى الاستخدام المرشد للموارد الطبيعية فى حدود قدرتها على تعويض ما أخذ منها دون تدميرها ، أما بالنسبة لمنطقة رأس البر فشأنها شأن بحيرتي المنزلة والبرلس وهى مناطق مكتظة بالمجتمعات البشرية التى تعتمد فى حياتها على مواردها ، ولا يمكن أن تتم إعلانها كمحميات طبيعية لأن ذلك يعنى حرمان تلك المجتمعات من هذه الموارد ، فالبرلس بها 300 ألف مواطن بصفة أساسية على مواردها ، ورأس البر بها مئات الآلاف يعيشون أيضا على مواردها، ولا يمكن حرمانهم منها ،كذلك لا يمكن تطبيق مفهوم الصون على رأس البر والمفهوم المناسب الذى يمكن تطبيقه هو " الإدارة البيئية " ومن خلاله يتحقق التوازن  بين حياة الناس ومصدر رزقهم وتحقيق التنمية المستديمة التى تضمن استمرار النظام البيئى دون تدمير، وإقامة مصنع بمنطقة رأس البر لابد وأن  تكون هناك دراسات تقييم للآثار البيئية له على المنطقة ، كذلك من الضرورى  عمل دراسات إضافية حماية للمصنع نفسه فى إطار الهشاشة البيئية للمنطقة ، والمعروف أن ساحل رأس البر يتعرض للتآكل وتتم له احتياطات لحمايته ، والسيناريوهات المستقبلية تحذر من ارتفاع سطح البحر وغرق المناطق الساحلية وهذا يدق ناقوس الخطر على سلامة المصنع نفسه المراد إنشاؤه لان المنطقة نفسها هشة ولكل الأسباب السابقة يجب أن تدار رأس البر إدارة بيئة لتحقيق تلك المعادلة فى تحقيق الاستدامة وحماية وصون التنوع الذى تزخر به .