الاخبار 6 / 5 / 2007
الدلتا مهددة بغرق مساحات كبيرة من
محافظات الوجه البحري خلال القرن الحالي
تقرير يكتبه : محمد عبد المقصود

أصدر الدكتور احمد نظيف رئيس مجلس الوزراء قرارا هاما بتشكيل لجنة خبراء وطنية للتغيرات المناخية برئاسة المهندس ماجد جورج وزير الدولة لشئون البيئة وعضوية ممثلين عن وزارات الخارجية والكهرباء والطاقة والري والموارد المائية والزراعة والتجارة والصناعة والبترول والتنمية الاقتصادية وهيئة الارصاد الجوية ونخبة من الخبراء المتخصصين في هذا المجال. وقد عقدت اللجنة أول اجتماع لها الاسبوع الماضي حيث طالبت بانشاء مركز وطني للدراسات الخاصة بتغييرات المناخ يضم قاعدة بيانات حول الدراسات والمشروعات التي تنفذ في مختلف الوزارات. وتهدف اللجنة الي وضع تصور للسياسات والاستراتيجيات اللازمة لتعامل مصر مع التغيرات المناخية واقتراح الاليات اللازمة لتنفيذ هذه السياسات والاستراتيجيات وتنفيذ الدراسات التي تم إعدادها في مجال التغيرات المناخية واقتراح آليات وسبل تنفيذها.
ويأتي هذا القرار في وقت تصاعدت فيه تحذيرات العلماء في العالم من خطورة التغيرات المناخية علي الكرة الارضية وخاصة الدول النامية والدول الساحلية والجزرية ويعبر هذا القرار عن الاهتمام المتزايد الذي باتت توليه مصر لهذه القضية خاصة وانها من اكثر الدول تضررا من التغيرات المناخية.
ولكن ماهي المخاطر التي يتعرض لها العالم نتيجة التغيرات المناخية؟! يكفي لبيان هذه المخاطر ما ذكره عالم الفيزياء البريطاني الشهير ستيفن هوكينج من أن التغير المناخي أشد خطرا علي كوكب الارض من الارهاب.. وجاء هذا التحذير بعد ان كشف تقرير بريطاني النقاب عن صورة مرعبة بيئيا لعام 2007 اذ توقع التقرير ان يكون عام 2007 احد اكثر اعوام التاريخ سخونة وان العالم مهدد بذوبان طبقات الثلوج بالمناطق المتجمدة وانقراض انواع كثيرة من الطيور والنباتات.. ومن أمثلة هذه الكوارث المناخية ارتفاع درجات الحرارة وارتفاع مستوي البحر وفقد العديد من الجزر وفقذ جزء كبير من دلتاوات الانهار والاعاصير والفيضانات والجفاف وزيادة كميات الامطار والاختلاف في توزيع أحزمة المطر كميا ومكانيا وانتشار الاوبئة والامراض. وقد أدت ظاهرة الاحتباس الحراري الي حدوث اضرار جسيمة بالبيئة ومن امثلة الكوارث الخطيرة التي حدثت نتيجة هذا التغير السريع والمفاجيء في المناخ انتشار حرائق الغابات وكثرة الفيضانات والسيول المدمرة واختفاء الشعب المرجانية وفقد الثروات الساحلية والسياحية الهامة وموت العديد من الكائنات الحية في باطن البحار والمحيطات والانهار واختفاء العديد من الجزر وتآكل الشواطيء وكثرة الاعاصير المدمرة والتي نتج عنها خسائر بشرية ضخمة ونقص الناتج العالمي من الانتاج الحيواني والحبوب وانتشار الاوبئة والامراض نتيجة الظروف المناخية الحارة الملائمة لنمو مثل هذه الاوبئة التي تودي بحياة الملايين مثل الملاريا وكثرة عمليات التهجير ونزوح الملايين من الافراد نتيجة حدوث أي كارثة من هذه الكوارث. وقد حذر تقرير بوزارة الخزانة البريطانية من ان التغيرات المناخية التي يشهدها العالم حاليا سوف تكون لها اثار مدمرة علي الاقتصاد العالمي قد تفوق الاثار التي سببتها الحربان العالميتان خاصة في الدول الفقيرة وفي تقديمه للتقرير قال توني بلير رئيس الوزراء البريطاني ان مواجهة اثار التغيرات المناخية سوف تكلف العالم ما بين 5 و20 % من اجمالي الدخل لمختلف دول العالم سنويا بينما كشف وزير البيئة الاندونيسي راشمات وثيلار ان ارتفاع حرارة الارض يهدد 2000 جزيرة من جزر الارخبيل الاندونيسي بالغرق بحلول عام 2030 وذلك بسبب استمرار ذوبان جليد القطب وارتفاع مستوي البحار والمحيطات بينما أعلن الرئيس مأمون عبدالقيوم رئيس جمهورية المالديف التي تتكون من مجموعة جزر ان بلاده قد تختفي من الوجود تماما خلال قرنين من الزمان بسبب تغيرات المناخ.
ماهو الاحتباس الحراري؟
الاحتباس الحراري المسبب للتغيرات المناخية هو عبارة عن زيادة درجة حرارة الارض نتيجة انبعاث الغازات الضارة التي تستقر بالغلاف الجوي وتعمل كسطح عاكس لاشعة الشمس المرتدة من الارض وتمتص جزءا منها فتؤدي الي ظاهرة التسخين وارتفاع درجة الحرارة واهم هذه الغازات المعروفة باسم غازات الاحتباس الحراري هو ثاني اكسيد الكربون الناتج عن الانشطة البشرية المتمثلة في حرق الوقود الاحفوري (البترول والفحم) المستخدم في السيارات والمصانع ومحطات توليد الطاقة وتعتبر الولايات المتحدة الامريكية في مقدمة الدول التي ينبعث منها ثاني اكسيد الكربون بنسبة 26 % من اجمالي انبعاثات دول العالم كله وهي الدولة التي لم تصدق علي بروتوكول كيوتو للحد من التغيرات المناخية ومعها استراليا.
المخاطر علي مصر
توضح مكونات التقرير التجميعي الثالث TAR الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتغيرات المناخية IPCC عام 2001 والتقرير الرابع الصادر منذ شهور قليلة ان العديد من التهديدات تواجه مصر نتيجة تغير المناخ رغم ان انبعاثات مصر من غازات الاحتباس الحراري المسببة للتغيرات المناخية لا تمثل سوي 0.57 % من إجمالي انبعاثات العالم الا ان مصر تعتبر من اكثر دول العالم تضررا من اثار التغيرات المناخية.
وتشير التقارير والدراسات التي اشرفت عليها وحدة التغيرات المناخية بجهاز شئون البيئة ان ارتفاع مستوي سطح البحر يمكن ان يؤدي علي المدي المتوسط والبعيد الي تعرض مساحات متفاوتة من دلتا النيل ومحافظات الوجه البحري لاحتمالات الغرق مما يهدد بفقدان مساحات ضخمة من الاراضي الزراعية الخصبة الآهلة بالسكان ويسبب هجرة الملايين من ساكني هذه المحافظات الي الجنوب وضياع العديد من المنشآت الصناعية والسياحية.
أما المشكلة الثانية والتي حذر منها الدكتور محمد عبدالفتاح القصاص خبير البيئة العالمي عام 2000 فهي تذبذب ايراد نهر النيل من المياه بحيث يمكن ان يرتفع فجأة بنسبة تصل الي 28 % كما انه يمكن ان يتناقص فجأة ايضا في سنة اخري بنسبة تصل الي حوالي 76 % وذلك بسبب اختلال توزيع أحزمة المطر كميا ومكانيا وخاصة فوق حوض نهر النيل. كما تشير السيناريوهات المختلفة لانعكاسات التغيرات المناخية علي مصر الي احتمال حدوث انخفاض ملحوظ في الناتج القومي من الحبوب وليس ذلك في مصر فقط بل في جميع الدول التي تعتمد علي مياه الانهار في الري هذا بالاضافة الي الاثار السلبية لارتفاع درجة حرارة مياه البحار والتي تؤدي الي ابيضاض الشعاب المرجانية الموجودة في البحر الاحمر مما ينعكس علي حركة السياحة الي هذه المنطقة التي تجذب السياح.
وقد طالبت مصر المجتمع الدولي بضرورة الوفاء بالتزاماته تجاه مصر بتوفير الدعم المالي والفني اللازمين لتنمية القدرات المؤسسية والبحثية في مجال تغيرات المناخ واجراء دراسات مستفيضة لتقييم الاثار البيئية والاقتصادية التي قد تنجم عن التغيرات المناخية في مصر.. والمساهمة في اجراءات التأقلم والتكيف مع هذه الاثار ومطالبة الدول الصناعية بضرورة الوفاء بالتزاماتها الخاصة بمساعدة الدول النامية في نقل التكنولوجيا وتأمين التمويل االلازم للحد من اضرار تغيرات المناخ كما قامت مصر بدراسة مدي تأثير التغيرات المناخية علي قطاعات الموارد المائية والزراعة والسواحل والطاقة والسياحة والصناعة والانتاج الحيواني حيث تتأثر هذه القطاعات بتغيرات المناخ. وقد كانت مصر من اوائل الدول التي وقعت علي اتفاقية تغير المناخ عام 1994 وفي طليعة الدول التي وقعت علي بروتوكول كيوتو للمساهمة في الجهود الدولية لمكافحة آثار تغير المناخ من خلال التعاون مع الدول الصناعية المتقدمة لانشاء وإقامة مشروعات ضمن آلية التنمية النظيفة التي قررها البروتوكول والتي من اهم فوائدها توطين واستخدام تكنولوجيا نظيفة في العديد من المجالات بالاضافة الي اجراء الدراسات والمشروعات المطلوبة لتفهم مردودات تغير المناخ علي مصر ومحاولة وضع خطة قومية لمجابهة مثل هذه الاثار المتوقعة والاشتراك في المفاوضات الدولية لتجنب فرض التزامات علي مصر والدول النامية والتي قد تؤثر علي معدلات التنمية بها.. الدعوة الي تعزيز تعاون الدول الصناعية مع الدول النامية ومنها مصر من خلال نقل التكنولوجيا النظيفة وبناء القدرات في مجال التخفيف من والتأقلم مع التغيرات المناخية كما قامت مصر بانشاء اللجنة الوطنية لتغير المناخ ونفذت عددا من المشروعات في مجال تحسين كفاءة الطاقة وحماية الشواطيء الساحلية واستنباط بعض المحاصيل القادرة علي تحمل درجة الحرارة والملوحة كما نفذت دراسة عن الاستراتيجية المصرية لآلية التنمية النظيفة وشاركت في برنامج تنمية القدرات لخلق كوادر بشرية ومؤسسية للعمل في هذا المجال الذي يهدف الي وضع آليات التنمية النظيفة موضع التنفيذ في مصر من خلال مشروعات تنفذها الدول المتقدمة بهدف شراء حصة من غازات الاحتباس الحراري في الدول النامية. وقد أنشأت مصر اللجنة الوطنية لآلية التنمية النظيفة التي تهدف الي الترويج لمشروعات الآلية في مصر والتأكد من تحقيق هذه المشروعات لاهداف التنمية المستدامة وقد استوفت 29 مشروعا الشروط اللازمة لآلية التنمية النظيفة وتكلفتها الاستثمارية 1100 مليون دولار وهي تحقق خفضا سنويا اكثر من 5.5 مليون طن مكافيء من ثاني اكسيد الكربون كما تساهم في توطين تكنولوجيات جديدة ونظيفة وتوفر فرص عمل جديدة وضخ عائدات مالية إضافية الي الاقتصاد القومي من خلال بيع شهادات خفض انبعاثات الكربون وهناك 7 مشروعات اخري في طور الاعداد ليصبح العدد الكلي لمشروعات آلية التنمية النظيفة في مصر التي تم تقييمها 36 مشروعا والجدير بالذكر ان الحقيبة الاستثمارية للمشروعات ستتضمن اكثر من 48 مشروعا يتوقع ان تزداد الي 60 مشروعا في نهاية النصف الاول من العام الحالي.
التأقلم وأهدافه
اما بالنسبة لموضوعات التأقلم مع اثار التغيرات المناخية المستقبلية فيتم التعاون فيها بين العديد من الجهات داخل مصر لدراسة آليات التأقلم سواء عن طريق حماية الشواطيء او تطوير واستنباط اصناف من المحاصيل الزراعية يمكنها النمو في ظل الظروف المناخية الناتجة عن تغيرات المناخ مثل الارتفاع في درجات الحرارة وزيادة ملوحة التربة وقلة الموارد المائية وكذلك تحسين الموارد المائية وترشيد استخدام الطاقة.
الخطة المستقبلية
وتستهدف مصر خلال الخطة المستقبلية الانتهاء من إعداد تقرير الابلاغ الوطني الثاني لاتفاقية تغير المناخ والتعاون مع شركاء التنمية في تصميم ووضع نموذج رياضي اقليمي لمحاكاة التغيرات المناخية لمنطقة حوض نهر النيل للتنبؤ بالوضع المستقبلي لتوافر الموارد المائية وتنفيذ عدد من المشروعات لتقييم التهديد والمخاطر والتأقلم مع المتغيرات المناخية في القطاعات المختلفة وتنفيذ عدد من المشروعات الاسترشادية في مجال التخفيف من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري ونشر استخدام تكنولوجيا الطاقة النظيفة مثل الطاقة الشمسية والوقود الحيوي والعمل علي الحصول علي تمويل لمشروعات التأقلم الخاصة بانتاج سلالات من النباتات والحيوانات يمكن ان تتحمل الجفاف والحرارة والملوحة .
