الاخبار / تحقيقات

22 / 5 /2007 

 كثر الحديث خلال الفترة القليلة الماضية حول التغيرات المناخية وانعكاساتها السلبية علي مناطق عديدة في العالم وعلي رأسهامصر.. انعقد اكثرمن مؤتمر في باريس وبروكسل وبانكوك.. لبحث المخاطر التي يتعرض لها العالم نتيجة تغيرالمناخ وارتفاع درجة حرارةالكون.. وانتقلت القضية في سابقة هي الاولي من نوعها الي مجلس الأمن لمناقشتها بعد ان اقتنع العالم بان ما توصل اليه العلماء حول مخاطر تغير المناخ هو حقيقة مؤكدة وانه لابد من ان يتحد العالم كله من اجل مواجهة هذه المخاطر.. والتكيف والتأقلم مع آثارها المتعددة.. ولان مصرعلي رأس الدول المهددة بمخاطر تغيرات المناخ

سواء فيما يتعلق بغرق مساحات كبيرة من الدلتا او ما يتعلق بتذبذب ايراد نهر النيل.. وما ينتج عنه من جفاف يسبب عجزا في الانتاج الزراعي المصري.. او التأثيرات الضارة و الخطيرة علي الشعاب المرجانية في البحرالاحمر ممايهدد تدفق السياحة الي هذه المنطقة التي تعتبر من اهم المناطق السياحية في مصر.. كان لابد لنا ونحن نبدأ في مناقشة هذه القضية الخطيرة من الحوار مع احد اهم علماء مصر البارزين في هذا المجال.. وهو د. مصطفي كمال طلبة رئيس المركز الدولي للبيئة والتنمية.. وضعنا بين يديه مخاوفنا املا في ان يعيد الينا الاطمئنان.. فاذا به يؤكد هذه المخاوف ويستحث كل المسئولين للتحرك للوصول إلي التكيف والتأقلم مع الآثار السلبية لتغيرات المناخ.. وانه لابد ان نتحرك فورا ودون اي ابطاء.. وان يتعاون العلماء والمسئولون التنفيذيون في وضع استراتيجية المواجهة.. فلا وقت للانتظارحتي تحدث الكارثة.. وهي قادمة اسرع مما نتخيل.. ود. طلبة لمن لايعرفه هو احد اكبر علماء العالم وحينما يختلف العلماء حول قضية تتعلق بالبيئة فإنهم يحتكمون اليه للفصل فيها.. وقد تولي منصب مساعد السكرتير العام للأمم المتحدة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة ثلاث دورات متتالية وهو الاب الشرعي لمعظم الاتفاقيات البيئية العالمية وعلي رأسها اتفاقية تغير المناخ.. واتفاقية التنوع البيولوجي.. واتفاقية التصحر.. واتفاقية التحكم في نقل وتداول النفايات الخطرة بين الدول ..علي مدي اكثرمن ساعتين كان هذا الحوار مع د. طلبة الدفيئة تناقلتها وسائل الاعلام كثيرا في الفترة الأخيرة..

لأخبار: د. طلبة قضية تغير المناخ والاحترار الكوني وانبعاث الغازات الدفيئة تناقلتها وسائل الاعلام كثيرا في الفترة الأخيرة.. فما هي هذه القضية؟

ان قضية تغير المناخ تنتج عن زيادة حرارة الكرة الارضيةاو ما يسمي الاحترار الكوني وهو ينتج عن زيادة معدلات ثاني اكسيد الكربون وبعض الغازات الاخري مثل الميثان وغيرها والتي تنتج عن عمليات حرق البترول والفحم والمازوت في الصناعة.. وتوليد الطاقة ووسائل النقل الي جانب حرق المخلفات الزراعية والقمامة.. ولك ان تعرف ان كمية ثاني اكسيد الكربون التي كانت موجودة في الهواء زادت بعد الثورة الصناعية في اوروبا بنسبة 60 % وهذه الزيادة تعمل علي تسخين الهواء الذي يكون ما يشبه الصوبة الزراعية التي تحيط بالكرة الارضية.. فتمنع شعاع الشمس الساقط علي الارض من العودة مرة أخري الي الهواء مما يزيد من درجة حرارة الكون.

وقد اكدت الدراسات العلمية والتقارير الاخيرة ان درجة حرارة العالم زادت خلال القرن الماضي 'القرن العشرين' بمقدار 7،0 درجة مئوية.. وأن كل التقديرات التي توصل اليها العلماء ان درجة حرارة الكون او العالم ستزيد حتي عام 2050 بمقدار درجتين.. ويتوقع العلماء ان تصل هذه الزيادة خلال عام ..2035 ومعني هذا ان يتحدد حجم المياه في البحار والمحيطات ويرتفع سطح البحر ما بين 20 و40سم.. وهذا معناه ان كل المناطق التي تكون في مستوي سطح البحر او تحت مستوي سطح البحر سوف تغرق او تتغلغل المياه المالحة اسفل التربة فتتحول الي تربة مالحة لا تصلح للزراعة..

غرق الدلتا
الاخبار: هل معني هذا ان الدلتا في مصر معرضة للغرق؟!

القطع كل التقارير التي اذاعها العلماء في المؤتمرات الثلاثة التي عقدت هذا العام في باريس وبروكسل وبانكوك اكدت ان دلتا نهر النيل وهي التي يوجد بها اراض منخفضة عن سطح البحر المتوسط فاذا ارتفع سطح البحر مابين 20 و30 سم فاننا نفقد بذلك 25 % من مساحة الدلتا وهذا في حد ذاته يسبب لنا اكثر من مشكلة كبري. اولها أن الدلتا تضم اجود الاراضي الزراعية.. وحينما نفقد هذه المساحة بالقطع ستنخفض الانتاجية الزراعية.. مما يسبب مشكلة في توفير الغذاء.. سواء بالاستيراد وهذا عبء علي الاقتصاد القومي او بزراعة الصحراء وهو مكلف.

تهجير الملايين
اما المشكلة الاخري فهي تهجير مابين 7 : 8 ملايين مواطن.. هذا الي جانب أن سكان مصر سوف يصل عددهم الي ما بين 130 و135 مليون نسمة والقاهرة والمدن الكبري سوف يزيد عدد سكانها الي 20 مليون نسمة وهي غير قادرة علي استيعاب كل هذه الزيادات.. اذن بحسبة بسيطة سنجد انفسنا مضطرين الي ايجاد مأوي لحوالي نصف سكان مصر.. فأين نذهب بهم؟!

الصحراء.. الأمل
وقال د. طلبة إن الامل سيكون في الظهير الصحراوي وممرات التنمية ولا يمكنها أن تستوعب اكثر من 10: 12 مليون نسمة.. وهناك احتمال أن نستخدم الساحل الشمالي الذي قد يستوعب من 25: 30 مليون نسمة اذا لم يتأثر بارتفاع مستوي سطح البحر ومن هنا فانه يجب ان نخطط لهذا من الآن.. وأن نبتعد بمشروعات التنمية في الساحل الشمالي عن البحر بحوالي مابين 5 : 10 كيلو مترات خاصة ان المنطقة التي يمكن ان تحدث تنمية فيها في الصحراء عرضها حوالي 30كم.. ولابد أن نعيد النظر في كل الاستثمارات علي ساحل البحرين المتوسط والأحمر لانها مهددة بالغرق. دراسات التأقلم

الأخبار: وماذا نفعل حتي نتجنب هذه المشكلة؟
يقول د. طلبة لابد أن نبدأ من الآن في دراسة كيفية التأقلم والتكيف مع اثار التغيرات المناخية الخاصة بغرق مساحات من الدلتا.. وان نكون فرق عمل متكاملة تضم خبراء من الارصاد وحماية الشواطيء.. والاقتصاد.. والاجتماع.. والزراعة والتخطيط العمراني.. والمياه.. لاعداد مجموعة من الدراسات تبحث عن كيفية استيعاب هذه الملايين من البشرالذين سيضغطون علي الموارد الارضية في الوادي.. وكيفية توفيرالغذاء له.. لابد ان ننظر من الآن في دراسة افضل السبل لاستخدام وحدة المياه لانتاج المحاصيل وتنفيذ مشروعات التنمية الصناعية وغيرها.. خاصة ان المياه لدينا محددة.. ودخلنا كدولة تحت خط الفقر المائي.. علينا أن ننظر منذ الآن كيف نستخدم مياهنا المحدودة ونستنبط زراعات تحمل الجفاف والملوحة.. وهل ننتج محاصيل تستخدم كميات كبيرة من المياه ام الافضل ان ننتج محاصيل تستهلك كميات أقل.

ايراد متذبذب
الأخبار: دكتور طلبة صدرت تقارير تتحدث عن تذبذب ايراد نهر النيل عاما بعد عام نتيجة تغير حزام الامطار كميا ومكانيا فوق حوض نهر النيل وهضبة اثيوبيا.. فهل هذه التقاير سليمة أم ان لها ابعادا سياسية للتأثير علي اتفاق دول حوض النيل علي الاقتسام العادل للمياه؟

د. طلبة: ان تذبذب ايرادنهرالنيل ثار حوله جدل كبير وقام العلماء في الخارج بانتاج 10 نماذج رياضية حول ايراد المياه في نهرالنيل هناك نموذج واحد منها فقط يشير الي احتمال زيادة ايراد نهر النيل بنسبة 30 % .. اما بقية النماذج التسعة فتشير الي ان النيل سيفقد من موارده ما بين 30 % : 65 % من ايراده والغريب اننا في مصر وفي دول حوض النيل مجتمعة ليس لدينا أي نموذج او اي دراسة حول هذه القضية.. ولابد ان يكون لدينا دراسة تحدد شكل حزام الامطار فوق حوض نهر النيل وفوق هضبة الحبشة والتغيرات المحتملة في حزام الامطار.. لأن ندرة المياه او انخفاض ايراد النهر له عواقب كبيرة نتيجة ما يسببه من جفاف ونقص في انتاجية الفدان.. وكلها لها عواقب علي الاقتصاد وشكل التنمية.

فلنبدأ من الآن
وطالب دكتور طلبة بضرورة تشكيل لجان من مختلف الوزارات لبحث افضل السبل لمواجهة هذه المشكلة.. وبحث ما يمكن عمله سواء في استخدام المياه الجوفية غير المتجددة او المياه المتجددة او اعادة استخدام المياه.. وشكل التنمية في مصر سواء التنمية الزراعية او التنمية الصناعية.. واستخدام تكنولوجيات غير تقليدية في عمليات التنمية.. ومن الغريب ان منظمات الامم المتحدة الموجودة في القاهرة مثل برنامج الامم المتحدة الانمائي وبرنامج الأمم المتحدة للبيئةومنظمة الاغذية والزراعة وبقية منظمات الأمم المتحدة اجتمعوا خلال الفترة الماضية لبحث سبل مساعدة الدول النامية للتأقلم مع الاثار الناجمة عن تغير المناخ وبحث افضل المشروعات الخاصة بالتأقلم الذي يمكن ان ينفذ في مصر في هذا الاطار.. وقد اتفقنا علي تشكيل فريق من الخبراء لاعداد مشروع متكامل يمكن ان ننفذه في مصر للتكيف مع اثار تغير المناخ.. وقد رصدت اسبانيا 350 مليون يورو لمساعدة الدول النامية علي التأقلم.. وعلينا ان نستفيد من هذه المبادرة.. ونحدد اولوياتنا.

الشعاب المرجانية
الاخبار: هل هناك تأثير مباشر علي الشعاب المرجانية نتيجة التغيرات المناخية؟
د. طلبة: بالقطع هناك تأثير ضار جدا علي الشعاب المرجانية.. حيث ان ارتفاع درجات الحرارة والملوحة في البحر الاحمر تؤدي الي ابيضاض الشعاب المرجانية 'تحول الشعاب الي اللون الابيض' لتفقد بذلك الوانها الجميلة التي تجذب السياحة الي البحر الاحمر وجنوب سيناء.. وهذا معناه ان السياحة لدينا ستتأثر.

ندرك ولكن!!
لاخبار: هل نحن في مصر لم ندرك هذه المخاطر قبل الآن؟

د. طلبة: سأحكي لكم حكاية.. حينما أراد الرئيس جمال عبدالناصر بناء السد العالي عام 58 شكل لجنة لبحث المشكلات التي قد تطرأ نتيجة بناء السد العالي.. واكدت هذه اللجنة ان اهم الآثار الجانبية التي يجب مواجهتها هي نقص وتوقف الطمي وانخفاض الانتاجية الزراعية.. والنحر في الدلتا وزحف مياه البحر اسفل الدلتا مما يؤدي الي ملوحة التربة.. واقترحت اللجنة انشاء وحدات او مصدات للامواج امام عدة مناطق بالدلتا.. كانت تكلفة الكيلو متر الواحد لانشاء هذه المصدات مليون دولار ولكن الامكانات المادية وقفت حائلا لانشائها.. واستمر هذا الحال حتي عام 71 حينما عينت وزيرا للبحث العلمي ومسئولا عن اكاديمية البحث العلمي كان اول ملف وجدته علي مكتبي هو النحر علي شواطيء الدلتا نتيجة عدم انشاء مصدات الامواج وانه لابد من عمل هذه المصدات للقضاء علي نحر الشواطيء.. وتبين حدوث نمر فعلا مما يستدعي عمل لسان داخل البحر بطول كيلو ثم انشاء هذه الحواجز.. وكانت تكلفة الكيلو متر الواحد 100 مليون دولار اي ان التكلفة زادت خلال 12 سنة فقط 100 ضعف.. ورغم اننا قمنا ببعض الاجراءات لحماية الشواطيء الا انه عند انشاء الطريق الساحلي الدولي لم يبحث احد تأثير ارتفاع سطح البحر علي هذا الطريق والتنمية التي ستقوم علي جانبيه اذا ارتفع سطح البحر وهاجم هذا الطريق ونحره..

لم نتحرك
د. طلبة: هناك العديد من التكنولوجيات غير التقليدية التي يفكر فيها العالم لتخفيض انبعاثات ثاني اكسيد الكربون.. او سحب الكميات الموجودة في الجو وحقنها في قاع المحيط او المناجم القديمة ولكن احدا لم يدرس تأثير ذلك علي الحياة البحرية في المحيط او تأثيرهاعلي باطن الارض.. وهناك تقنيات تم دراستها بعمل مرايا عاكسة ضخمة تعكس اشعة الشمس بما فيها من ثاني اكسيد الكربون للتقليل من ارتفاع درجة حرارة الارض او تصنيع رذاذ يعكس اشعة الشمس وكلها مازالت في مرحلة الدراسة.. ولكن الحل الذي اراه هو ان نبدأ من الان في دراسة كيفية التأقلم مع الاثار الناجمة عن تغير المناخ.

من هنا اقول اننا علي علم بمخاطر تغير المناخ منذ زمن طويل ولكننا لم نتحرك بالقدر الكافي للمواجهة او التأقلم مع الاثار التي قد تحدث نتيجة هذه المشكلة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف نتصرف وعلينا ألا ننتظر وقوع الكارثة ولكن ان نأخذ بالاحوط.. وننفذ مشروعات وقائية.. وهذه المشروعات لا تبني علي العواطف.. ولكن لابد أن يكون لدينا بيانات كاملة عما يحدث والبدائل المتاحة للتعامل مع كل مشكلة علي حدة حتي نتجنب وقوع هذه الكارثة..

وسأحكي لكم حكاية اخري قد تعلمون او قد لا تعلمون انه منذ مائة الف سنة كان العالم يعيش في عصر جليدي في جو درجة حرارته صفر او اقل من الصفر ومن العصر الجليدي حتي الان زادت درجة حرارة العالم خمس درجات مئوية فقط.. والغريب انه لم تستطع الكثير من الحيوانات خلال 10 آلاف سنة التأقلم مع هذه الدرجات الخمس فكيف اذن زاد معدل حرارة العالم 3 درجات خلال اقل من 30 سنة هذا معناه ان التغير في درجة حرارة ا الكون له عواقب كثيرة سيفقد العالم فيه الكثير من مفردات التنوع البيولوجي النباتية والحيوانية وستعود العديد من الامراض التي تخلص العالم منها مثل الملاريا وغيرها من الاوبئة الي جانب ما يشاهده العالم الآن من جفاف وفيضانات واعاصير وغيرها من المظاهر التي تهدد الكثير من المناطق في العالم.

الاخبار: وماذا لو بذل العالم مجهودات مضاعفة لوقف انبعاثات ثاني اكسيد الكربون.. هل سترتفع حين ذاك درجات الحرارة؟!
طلبة: كل الدراسات والتقارير التي صدرت عن العالم تؤكد ان كمية ثاني اكسيد الكربون والغازات الدفيئة الاخري المحتجزة في جو الارض تكفي لاستمرار ارتفاع درجة حرارة الكون خلال العقدين القادمين بمقدار درجتين زيادة.. حتي لو تم وقف انبعاثات ثاني اكسيد الكربون

مجرد دراسات
لأخبار: البعض يري بصيصا من الامل في عمليات امتصاص ثاني اكسيد الكربون وتخزينه في قاع المحيطات او في ابارالبترول الناضبة.. فهل هذه التقنية مأمونة العواقب ام انها يمكن ان تدمر الحياة في المحيطات او تؤثر علي باطن الارض؟
د. طلبة: هناك العديد من التكنولوجيات غير التقليدية التي يفكر فيها العالم لتخفيض انبعاثات ثاني اكسيد الكربون.. او سحب الكميات الموجودة في الجو وحقنها في قاع المحيط او المناجم القديمة ولكن احدا لم يدرس تأثير ذلك علي الحياة البحرية في المحيط او تأثيرهاعلي باطن الارض

وهناك تقنيات تم دراستها بعمل مرايا عاكسة ضخمة تعكس اشعة الشمس بما فيها من ثاني اكسيد الكربون للتقليل من ارتفاع درجة حرارة الارض او تصنيع رذاذ يعكس اشعة الشمس وكلها مازالت في مرحلة الدراسة.. ولكن الحل الذي اراه هو ان نبدأ من الان في دراسة كيفية التأقلم مع الاثار الناجمة عن تغير المناخ.